أحمد بن محمود السيواسي
120
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
[ سورة محمد ( 47 ) : آية 19 ] فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ ( 19 ) قوله ( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ ) في جواب الشرط المحذوف ، أي إذا علمت عاقبة الأمر من سعادة المؤمنين وشقاوة الكافرين فاثبت على العلم بتوحيد اللّه يا محمد والمراد أمته أو فاثبت على إظهار قول « لا إله إلا اللّه » لدعوة الناس إليه ( وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ) ليستن بك غيرك ( وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ) ليغفر لهم ذنوبهم ( وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ ) بالنهار في أحوالكم ومعاشكم ( وَ ) يعلم ( مَثْواكُمْ ) [ 19 ] أي مقركم ومنزلكم بالليل ، وقيل : متقلبكم في حيوتكم ومثويكم في قبوركم أو في الآخرة من الجنة والنار فاحذروه « 1 » . [ سورة محمد ( 47 ) : آية 20 ] وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْ لا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلى لَهُمْ ( 20 ) ( وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا ) وهم الذين آنسوا بالوحي واستوحشوا بابطانه ( لَوْ لا ) أي هلا ( نُزِّلَتْ سُورَةٌ ) اشتياقا إلى الوحي بها ، وقيل : المراد ب « الَّذِينَ » آمنوا باللسان « 2 » ، فقال تعالى ( فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ ) أي غير منسوخة الأحكام من الجهاد وغيره ( وَذُكِرَ ) أي فرض ( فِيهَا الْقِتالُ ) فرح المؤمنون المخلصون و ( رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ) أي شك وهم المنافقون ( يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ ) أي نظرا مثل نظر المغشي عليه ، يعني الذي أصابته الغشية أي الحيرة ( مِنَ الْمَوْتِ ) إذا نزل به وعاين الملائكة خوفا منك وكراهية نزول القرآن بذلك ، عن قتادة : « كل سورة ذكر فيها القتال فهي محكمة » « 3 » ، وهي أشد القرآن على المنافقين ، وقيل : لها محكمة لأن النسخ لا يرد عليها من قبل أن القتال قد نسخ ما كا من الصفح والصلح وهو غير منسوخة إلى يوم القيامة « 4 » ، قوله ( فَأَوْلى ) مبتدأ ، خبره ( لَهُمْ ) [ 20 ] أي العذاب الأولى لهم بسبب نفاقهم وهو تهديد لهم من الولي وهو القرب ، ومعناه الدعاء عليهم . [ سورة محمد ( 47 ) : آية 21 ] طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ ( 21 ) قوله ( طاعَةٌ ) مبتدأ ( وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ ) عطف عليه ، والخبر محذوف وهو خير لهم ، أي طاعتهم لما أنزل من القرآن ، وقول مرضي في حقه وشأن محمد عليه السّلام خير لهم ثوابا من إنكارهم واستهزائهم به ( فَإِذا عَزَمَ ) أي وجب ( الْأَمْرُ ) بالقتال وجاء وقته ، وجواب « إذا » محذوف وهو كرهوا ذلك وكذبوا في قولهم ( فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ ) في أمره بالقتال وعزمهم الحرص فيه أو صدقوا نبي اللّه في إظهار الإيمان به والطاعة فيما جاء به ( لَكانَ ) « 5 » الصدق ( خَيْراً لَهُمْ ) [ 21 ] من النفاق والكراهة والكذب . [ سورة محمد ( 47 ) : آية 22 ] فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ ( 22 ) قوله ( فَهَلْ عَسَيْتُمْ ) فيه التفات من الغيبة إلى الخطاب مبالغة في التوبيخ ، وقرئ بكسر السين « 6 » ، أي هل تريدون وترجون يا أهل مكة بعد الإيمان ( إِنْ تَوَلَّيْتُمْ ) أي أعرضتم عن دين الإسلام ( أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ ) بالمعاصي كما كنتم تفسدون في الجاهلية ( وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ ) [ 22 ] يعني بسفك الدم والعقوق ودفن البنات وعصيان الرحمن ، وقيل : نزلت في حق الأمراء والولاة « 7 » ، أي إن صرتم متولين على أمورنا الناس يقع منكم الإفساد والظلم وتقطيع الأرحام بسبب التولية . [ سورة محمد ( 47 ) : آية 23 ] أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ ( 23 ) ( أُولئِكَ ) أي أهل هذه الصفة ( الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ) أي طردهم من رحمته ( فَأَصَمَّهُمْ ) عن استماع الحق ( وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ ) [ 23 ] عن طريق الهدى .
--> ( 1 ) أخذه عن الكشاف ، 5 / 265 . ( 2 ) ولم أجد له أصلا في المصادر التفسيرية التي راجعتها . ( 3 ) انظر السمرقندي ، 3 / 244 ؛ والبغوي ، 5 / 159 ؛ والكشاف ، 5 / 165 . ( 4 ) نقله المفسر عن الكشاف ، 5 / 165 . ( 5 ) أي ، + ح . ( 6 ) « عسيتم » : كسر السين نافع ، وفتحها غيره . البدور الزاهرة ، 297 . ( 7 ) عن الضحاك ، انظر السمرقندي ، 3 / 245 .